الجمعة، 7 نوفمبر 2014

شعر :ماذا علي إذا خاصمت أسمائي (سيف العيسري)

ماذا عليَّ إذا خاصمتُ أسمائي
أنكرتُ طيني..عناويني..وحوائي 

ما آمن الغيمُ بالأرض التي محُلت
والأرضُ حنت لتتلو سورة الماء

مسافرٌ ،خطوتي في الرمل غارقة
إذ تلهبُ الشمسُ -غيظا- جوَّ صحراءِ

دربي طويل..ومالي فيه صاحبة
إلا الأماني..تنمو مثلَ حنَّاء

تخيفني ليلة ظلماء..تلبسني
عباءةً كفناً..تغتال أضوائي

وكلَّما مرَّ بي طيفٌ أقول له
متى تغوص بعيني عين سمرائي؟

هل انتهى "حلُم الصَّحراء"يا أبت
ليمتطوا - في دروب الرمل- أشلائي؟

"مسافة الصمت" هل ظلت ممدة
لليوم،كي يستبيحوا كلَّ أشيائي؟

ما عدتُ أقوى اندثار الحلم يا أبت
إلى متى الحلمُ مغموس بلأواء

للمكتسين،ثياب الحلم زاهية
كما اكتسى ببياض جسم حرباء

أضجُّ..بعثرتُ ما يبنون
من ترفٍ

أُصيخُ للروح..
ترديدٌ لأصدائي 

لا زلت أمشي
وما لي في الهوا رئةٌ 
إلا شهيقٌ ،،
 سأمضي نحو إسرائي

شعر : سليل الردي (سليمان الحسني )

بسم الله الرحمن الرحيم
سليل الردى

دنا البينُ، وَجّه للتجلّدِ خافقًا *** يكادُ من الأنّاتِ والحزنِ يُسمَعُ
إذا الدهرُ أورى جَنّتيهِ بجذوةٍ *** فلا الغيمُ يُطفيها.. ولا البحرُ ينفعُ
وطُف حولَ أركان الوداعِ مُلبّيًا *** لصوتِ مُنادٍ بالنوازل يَصدعُ
وصلِّ  صلاة الدمعِ فوقَ ثَنِيِّةٍ *** على حَرفِها كلُّ الأخِلاّءِ رُكّعُ
تَناظرُ طيفَ الشمسِ عندَ غروبها *** وتسألك العينان عنها: أترجع؟؟
أعارتكَ من آصالِها حُمْرَةَ الأسى *** وأهدتْ بريقا في مآقيكَ يلمَعُ
إذا كان كفُّ الصبْحِ يحملُ فُرْقَةً *** فلستُ إلى إشراقهِ أتَطَلّعُ
وما تنفعُ الإنسانَ أنوارُ يومِه *** وليس له في القلبِ نورٌ يُشعشعُ؟
وهل تشرقُ الأيامُ إلا عليهمُ؟ *** فإنْ ودَّعُوا.. فهي الشموسُ تُوَدِّعُ
كأن جفوني حين ولّى ركابُنا *** -ضحىً- لجميعِ الماءِ في الأرضِ مَجْمَعُ
تراودني أطيافهم ساعةَ الدجى *** وأذكرهم في كل ما كان يسطَعُ
غدوتُ إليهم بالسرور مُحمّلاً *** ورحتُ بهمٍّ في الضلوعِ يزعزعُ
وكم قد خَبِرتُ البينَ حتى ظننتُني *** تعودتُه.. حتى إذا عاد أجزعُ!
ولستُ أراهُ غيرَ نسْلٍ من الردى *** ومَن أشبهوا آباءَهم لم يُشّنَّعوا
فحتامَ يشري البينُ روحي نسيئةً؟ *** ولم يُبقِ منها الدهرُ مما يُروِّعُ!
إلى اللهِ قُرباني ليحْفَظَ مُقْلةً *** بأرضِ سناوٍ –لي- بعينيه تُصنَعُ
إذا ما شرعتُ السيرَ عنها مُوَلِّيًا *** فروحي إليها تُستَحثُّ وتَنزِعُ
ولستُ بِسالٍ عن هواها، وإنني *** لدى ذكرِها يُصغي فؤادي ويخشعُ
أودِّعُها أُغضي بطرفي من الأسى *** وقافيتي حَرّى تئنُّ وتدمعُ
وبي لوعةٌ كادتْ لِتودي بمهجتي *** ولكنْ بآمال اللقا أَتَشَفَّعُ


تمت بحمد الله

شعر : تعويذة الأشواق (المعتصم البهلاني )

تعويذةُ الأشواقِ

جوعُ العيونِ، ذهابُهُ ورجوعِي
والغربةُ الأُولَى امتِدادُ دموعِي

هبَّتْ علَى قلبِي تباريحُ النَّوى
فاهتَزَّتِ الأشْواقُ بينَ ضلوعِي

ما افتَرَّ معنًى منهُ إلَّا بثَّ لي
تنهِيدةً قتلتْ بناتِ ربيعِي

حتَّى لسانِي عندَّما أنطقتُهُ
منْ دونِ إسمكَ كانَ كالملسوعِ

وتنطُّ شمعَاتي لتشعِلَ طَيفَهُ
وتملُّ..حتَّىينطفِي وشموعِي

والأينُ يصرعهَا اغترابُ مسافتِي
لا خطوَ إلا هزَّة المصروعِ

وجعٌ تسمَّرَ فِي فؤادِي عنوةً
يحتلُّ أحلامِي وكلَّ ولوعِي

أينَ اختفيتَ؟ ومنكَ أُبدعُ أحرُفِي
وعلامَ غبتَ؟ وفِي يدَيْكَ ربِيعِي

ارجعْ إلى نفسِي بداخلِك الَّذي
خاطَ الحنانَ..لقالَبِي المنزوعِ

ما زلتُ أجمعُ للذَّهابِ مساحتِي
وألفُّ عمرًا ليسَ بالمجموعِ

إنِّي أقمتُ –علَى تفاعِيلِ النَّوى-
للشِّعرِ فيكَ مراسِمَ التشييعِ

المعتصم البهلاني


الجمعة، 31 أكتوبر 2014

شعر : للدمع رعشة أخرى (سالم البوسعيدي)

القصيدة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة شاعر الخليل للشاعر سالم البوسعيدي :

للدمعِ رعشةٌ أخرى"
من آخرِ الجُرحِ، حيثُ الروحُ تَنهارُ **
جاءتْ لتوقِدني في ظُلمتي نارُ
تُذيبُني وفؤادي مُشبعٌ ألما **
لم يَحتسِ الليلَ، هل ترويهِ أقمارُ!!
عطشى زوايايَ، تستسقي المدى ألقا **
تراودُ الفجرَ عن حلمٍ سينهارُ
سيذبلُ الضوء، في أحشائهِ سِنةٌ **
ورعشةُ الدمعِ في العينين أسفارُ
وطفلةُ البوحِ ما زالتْ مُعلقةً **
تلفها من ضجيجِ الصمتِ أسوارُ
يَقتاتُني التيهُ، مِرآتي محطمةٌ **
كلُ الدروبِ غِواياتٌ و أوزارُ
هل يسمعُ الكونُ أناتي إذا اختلجتْ **
في هجعةِ الليلِ نزفُ الآهِ هدارُ
أ للسماءِ نُبؤاتٌ ستقرأني **
فأنجمي انخمدتْ، اغتالها العارُ
مهشم ُالحرفِ، لا شُطآن تعرفني **
ملءَ المسافاتِ هذا البحرُ غدارُ
إن المساءَ حكاياتٌ مؤجلةٌ **
تعويذةٌ وانكساراتٌ وأشعارُ
حُبلى تفاصيلنا بالحزنِ يا أبتي **
قد أينعَ الجرحُ، لن تغويهِ أعذارُ
سأعزفُ الليلَ موسيقى تحررني**
فإنما وجعُ الأيامِ أوتار ُ

شعر : أرجحه (يوسف الكمالي )

قصيدة أرجحه الفائزة بالمركز الأول في مسابقة شاعر الخليل للشاعر الرائع يوسف الكمالي

- أَرْجَحَة .. ’

هَا أَنَا ..
أفقِدُنِي؛ كَيْ أمْنحَه !
أَهْدِمُ الروحَ، وأبْنِي أضْرِحَةْ ..

لَمْ أعُدْ أسْألُ أحلامَ السَّمَا
غيرَ خَيطٍ مِن دُخانِ المَصْلَحةْ ..

..

كَمْ تَسَلَّلْتُ ضَمِيرِي شَبَحًا
أمْسَحُ النُّورَ بِظلِّ الشَّبَحَةْ !

يَرسُفُ الدَّمْعُ بِذكْرَى نَجمةٍ
يَرْصُفُ الليلَ
ويَطْوِي رَدَحَهْ ..

ويَهزُّ الحَرْفَ.
يَسّاقطُ بِي ألفُ مَعنًى
فَاقِدٌ مُصْطَلحَهْ ..

..

مَا الْهَوَاءُ الطَّلْقُ؟ مَا الصُّبحُ؟
سِوى رِئةِ الشَّاعِرِ

هَذِي المرْوَحَةْ
يَستَغِلُّ السَّقفُ عَفْوِيَّتها
وهْوَ يَغتالُ صَبَاحَ الأجْنِحَةْ ..!

..

صَبِّحِ الوَجْهَ الَّذِي شَرَّدَني
كلُّ مَنْ أمْسَى عَلَيهِ.
صَبَّحَه !

صَبِّحِ البَحْرَ الَّذِي فِي عَينِهِ
وَنَسِيمُ الشَّطِّ يَغْشَى سَرَحَهْ ..

يَمْسَحُ الصَّخْرَ فَيَنْمُو صَدَفًا
لَيْتَ قَلْبِي صَخْرَةً..
كَيْ يَمسَحَهْ !

أيُّهَا الْفَاتِحُ قَلبًا بِيَدِي
أنَا لَمْ أَطْرُقْهُ..
حَتَّى تَفتَحَهْ ؟

إِنَّ دَوْرَ الْحُبِّ لا أُتْقِنُهُ
لِمَ علَّقْتَ بِوَجْهِي مَسْرَحَهْ ؟!

أَنْفثُ اللَّعْنَةَ مِنْ سِيجَارةٍ
وَعَلَى الرُّوحِ أَصُبُّ المِسْبَحَةْ !!

أَعْطِنِي قَلبًا عَلَى لَوْنِ دَمِي
وَأَنَا أُعْـطِـيــكَ
ألا أَجْرَحَهْ ..

..

فِي جِدَارِ الرُّوحِ. شَيْءٌ عَالِقٌ
مِثْلَ مَاذَا؟
كَيْفَ لِي أَنْ أشرَحَهْ .. ؟

سَقَطَتْ شَرعِيَّتِي فِي شُبْهَةٍ
أَغْرَقَتْنِي شُبْهَةٌ فِي مَذْبَحهْ ..

شُبْهَةٌ تُشْبِهُ مِسْمارَ جُحَا
تُشْبهُ المِسْمَارَ ...
إلا مرَحَهْ

..

قَائِمٌ آنَاءَ رُوحِي قَمَرٌ
لَكَ مِنْ عَيْنَيّ ألا أَفْضَحَهْ

لَمْ أُعَانِقْ مِنْهُ إلا صُورَةً
لَكِنِ الصُّورَةُ ...
كَانَتْ مُبْرِحَةْ !!

أَطْفِئِ الصّورَةَ مِنْ ذَاكِرَتِي
واخْسَرِ الْحُبَّ الَّذِي لَنْ تَربَحَهْ ..

شعر : صلوات عراقي (محمد الراشدي )

قصيدة " صلوات عراقي الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة شاعر الخليل للشاعر محمد الراشدي 


غريبٌ على صلوات الرحيل
يؤذن في قلق المستحيل
تردّد في صفحات الرياح
صداه، فكاد المدى أن يميل..
لتسمعه أرضه
في صداه
"مواويلَه" ذات عهد جميل
"على الأرض، ما يستحق الحياة"
فهل في دم المنتمي من سبيل
نموت.. نموت
وفي كل شبر
من الأرض، روحٌ تنادي الخليل
ملأنا الدنا صخبا، من صبانا
فهل يا أبي لم تطق أن نطيل؟
أبي، .. يا أبي!
من أنا، من أكون
أما ولدتني عروق النخيل؟
أما تحت أرض العراق صِلاة
بأسمائنا في ضجيج الصليل
على العهد، أن لا أموت، وسيفي
تغمّده غير نحرٍ قتيل
لأنّ العراق، قصائد نورٍ
نرتّلها حين يخبو العويل
ونُسمع تلك الأماني خطانا
ليحيا بها اللحن، في كل جيل
ستكتبني عندها ما تشاء
عراقي دمي، لا جوازُ العميل

الأربعاء، 8 أكتوبر 2014

قراءة في كتاب : وهم الإله لريتشارد دوكينز (محمد الهنائي )

قررت قراءة الكتاب بعدما لاحظت انتشار اسم ريتشارد دوكينز كعالم وفيلسوف ملحد معاصر بنى وجهته في الإلحاد بناء على تجربته العلمية والفكرية ، الدافع من قراءة الكتاب كان لرغبتي في أن يستثيرني دوكينز بكتابه لمزيد من البحث عن إجابات أو ردود لأي أسئلة او عجز أقف فيه أمام ما يطرح . لكن تجربتي مع الكتاب لم تكن بمستوى الطموح ، فالكتاب مزيج من الانطباعات والقناعات مع شيء من الجدل العلمي الغير محكم الطرح . لكن مع ذلك يظل أن الكتاب فتح بعض الآفاق للبحث . 

الكتاب في عشرة فصول ، الفصل الأول : عنونه بــ" غير مؤمن بعمق " ، تحدث في جزءه الأول عن وجود ثلاثة أنواع من الإله ، الأول : الإله الذي يعتقد به المؤمن بوجود خالق ذكي خلق الكون ويشرف عليه ، ينظر لأعمال الناس ويحاسبهم عليها . وهناك أيضا الربوبيون الذين يؤمنون بوجود خالق ذكي ولكن نشاطاته كانت محدودة بصناعة وضبط قوانيين الكون ، ولا يتدخل بعدها في أي شيء . وهناك ايضا " الطبيعيون " الذين لا يؤمنون بوجود إله غيبي والإله بالنسبة لهم هي الطبيعة والكون والقوانيين التي تعمل بها " 

تحدث في هذا الجزء أيضا عن بعض كبار العلماء ــ منهم اينشتاين ــ على أنهم لا يؤمنون بوجود الإله على عكس ما أشيع عنهم ، في هذا الجزء كرس جهده ووقته لأجل أن يثبت خطأ من يقول بأن هؤلاء العلماء يؤمنون بوجود إله ، وأراد دوكنز بهذا الجزء ــ كما قال ــ : " حتى لا يعتقد المؤمنون بأن لهم قوة في إيمان مثل هؤلاء العلماء" . . في هذا الجزء رأيت تناقض لــ دوكينز وهو يحاول جعل بعض العلماء على أنهم لا يؤمنون بإله ، فمثلا : في حديثه عن اينشتاين ، بعدما أشار ووضح أن اينشتاين لا يؤمن بوجود الإله الذي يؤمن به الناس ، قال في نهاية الجزء (( دعني ألخص دين اينشتاين ببعض ما قاله هو نفسه " الاحساس بأن خلف ما نعرفه ونحس به يوجد شيء ما لا نستطيع إدراكه وهذا الشيء يمسنا بجماله وسموه بطريقة غير مباشرة وبشكل يكاد يكون غير محسوس ، هذا شعور ديني ، وأنا بهذا المعنى متدين )) ، يقول بعدها دوكينز تعليقا على ما قاله اينشتاين " حسنا .. بهذا المعنى فأنا متدين أيضا مع التحفظ على عبارة "لايمكننا إداراكه " لكني لا أفضل نعت نفسي بالمتدين بأي شكل من الأشكال لأن ذلك سيؤدي لسوء فهم !! "

بقية الفصل الأول ، عبارة عن تفريغ لما يتصوره دوكنز عن الدين ، تحدث عن حروب الكاثوليك والبروتستانت ، تحدث عن الحروب المذهبية بين الشيعة والسنة ، تحدث عن حوادث التطهير العرقي والمذهبي التي تمت في العالم ، تحدث عن أحداث 11 سبتمبر ودوافعها الدينية ، تحدث عن نظرة الأديان الدينية للمرأة ، تحدث عن كون الدين أداة لتحقيق المكاسب الإجتماعية والسياسية ، وذكر في سبيل ذلك مواقف وأحداث حدثت عن بعض الرموز الدينية والاجتماعية  . ما أعترض عليه فيما سرده دوكنز من أحداث تحت حجة أن الدين هو كما ذكره دوكينز من احداث ، أن دوكينز لم يفرق بين الدين وبين الممارسة والإستخدام . الممارسات لا تعني دائما الدين ، حتى ولو كانت بأسمه أو تحت ظله وهو ما كان يجب على دوكنز أن يعرفه .

الفصل الثاني المعنون بــ(فرضية الإله ) ، 

الفصل الثاني باختصار ، تكلم فيه عن الإلة بمختلف تصوراته عند كل الأطياف على أنه هو الإلة الذي يخاطبه في كتابه ، بمعنى أن إله اليهودية والبوذية والمسيحية والإسلام ، والآلهة اليونانية ، هو الإله الذي يحاول دوكنز عده في منزلة الوهم . واشتغل في سبيل ذلك بذكر توصيفات الإلة عند هذه الديانات ، تلك التوصيفات جاءت كلها مقتضبة وبعضها عمومية وبعضها كما هي ( كآلهة الإغريق والبوذية )  . عدد كبير من الآلهه التي ذكرها ، نحن نكفر بها وبوجودها وبصفاتها كآلهة الاغريقي وآلهة الهندوس وآلهه أخرى كثر . وسبيل دوكينز في محاولة إقناع القارئ وهم وتناقضات شخص الإله ( الذي لم يحدده من بين كل ما ذكره ) وانما اقتضبه ورسم صورته من مختلف الاثنيات والإعتقادات لا يجعل من الإله في منزلة الوهم .

أما عن الفصل الثالث فقد عنونه بــ( الدليل على وجود الله )
:هذا الفصل هو ما كنت ابحث عنه ، ففيه توقعت أن يذكر دوكينز آراء الفلاسفة وحججهم والرد على حججهم بما يعتقده مبطلا لها . ابتدأ بحجج الفيلسوف توماس الأكويني ، وهي الحجج الخمسة المشهورة عنه ( السبب المسبب ، المحرك الأول، العلة الكونية ، دليل التدرج ، الحجة الغائية أو حجة التصميم ) .


حجة السببية ( السبب المسبب ) ، يقول فيها الأكويني باختصار أن لا شي يسبب نفسه بنفسه ، لكل فعل فعل مسبق ، فإذا بحثنا عن كل الموجودات بناء على هذه الحجة وجدنا أن الموجودات بحاجة لسبب أول أوجدها كلها ، وهذا الفاعل الأول وجب أن يكون متفردا ومتميزا ، وهو ما يجب أن يكون الله . 

الحجة الثانية : حجة المحرك الأول ، فيها يقول الأكويني أن لا شيء يتحرك إلا بوجود من يحركه ، هذا يؤدي بالضرورة لوجود أحد ما بدأ الحركة الاولى ، وهو ما يفضي إلى أن يوجد شيء ما سابق عن الحركة الاولى ، وهو " الله " . 

عن حجة التدرج : فيها يقول الاكويني أنه من الملاحظ اختلاف الأشياء حولنا ، هناك درجات متفاوته للأشياء مثل الطيبة والكمال ، ونحن لا نقدر درجتها إلا بمقارنتها بالحد الأعلى الممكن لها . وأعلى حد ممكن لها لا يمكن أن يكون فينا ، لذلك لا بد من وجود ما هو أعلى منا ، وهو الله المطلق. 

حجة الحجة الغائية باختصار يقول فيها الأكويني أن الأشياء في العالم تمشي وفق نظام وتصميم ذكي ، ولا يمكن لهذا الاتساع والدقة إلا أن يكون لها مصمم أعظم من التصميم نفسه ، وهذا المصمم هو الإله . 

هذه الحجج قال بها الفيلسوف الأكويني وفلاسفة آخرين ( ولو بصيغ مختلفة ) ، ريتشارد دوكنز ذكر حجج توماس الأكويني ثم علق عليها كالآتي :

حجة السببية ، وحجة المحرك الأول ، وحجة العلة الكونية : علق عليها بتعليق مقتضب مفاده " أن التراجع الزمني اللانهائي عبثي ومضلل ، وأن إدخال الإله لحل موضوع التراجع اللآنهائي هو أمر مضلل وعبثي " ، هو يقول بأن أغلب أشكال التراجع تصل لمرحلة من النهاية الطبيعية ، أي أن كل شيء ينتهي في حدود الطبيعة ، وذكر مثال أن الذهب حينما يتم تقطيعه لأجزاء صغيرة ، يستمر هذا التقطيع إلى حد نهائي ( الحد الأصغر من الذهب والتي يكون فيها عبارة عن ذرة مكونة من  79 بروتون ، وأكثر بقليل من النيوترونات وبحضور حشد من الإلكترونات " ، عندما تجزء الذرة لأبعد من هذا ، لا يعود الذهب ذهبا وانما يتحول لشيء آخر . 

رد دوكينز هذا وشكل التراجع في مثال الذهب يختلف عن شكل التراجع الذي وضعه الاكويني في حججه . التراجع في مثال الذهب لا يجيب عن سؤال ( ما سبب ) ، بل يجيب عن سؤال الماهية ( ماذا يكون ) . الأكويني يقول ويسأل عن الذي تسبب في وجود الذهب وليس ما هو الذهب . فمثال الذهب خارج عن إطاره هنا في هذه الحجة .  دوكينز وآخرون قالوا بأن كل ما هو موجود في الكون سبب وجوده الانفجار العظيم الذي نشأ عن الجسيم اللامتناهي الطاقة . سؤال الاكويني لازال مستمرا ( من الذي تسبب في وجود الجسيم اللامتناهي الطاقة ، ومن سبب له حركته الأولى ) . . رد دوكينز على الحجج الثلاث للإكويني غير مقنع .

بالنسبة لرد دوكيز على الحجة الرابعة التي قال بها الاكويني ( حجة التدرج ) ، لم يكن هناك رد بقدر ما كان هنا سخرية وتبجح من دوكينز . دوكينز رد على هذه الحجة بأن قال (( ما هذا الدليل ؟ من الممكن أن نقول أن الناس مختلفين في روائحهم وإمكانياتهم بالمقارنة فقط بمرجعية للحد الأعلى الممكن للروائح النتنة ، ولذلك يجب أن يوجد شيء رائحته لا تضاهى بالنتانة وندعوه الله ، وباستطاعتك استبدال مواصفات المقارنة بما تشاء )) 

سخريته هذه لا تجيب عن سؤال حجة التدرج ولا تنقص من قيمتها ، المطلوب من دوكينز كاعتراض على الحجة أن يبطل حاجة الدرجات المختلفة من الصفات إلى حد أعلى مطلق . الأمر الثاني : حتى سخريته تبطل إذا ما استخدمنا " المنطقية الثنائية " التي تقول بأنه لا يوجد طيب وخبيث ( يوجد طيب فقط )، لا يوجد خير وشر ( يوجد خير فقط ) ، لا يوجد نور وظلام ( يوجد النور فقط ) . الشر حالة من حالات انعدام الخير فقط وهو ليس وجودا مستقلا بذاته . والنور مثلا ، لا نقول بأن الظلام عكس النور أو قوى معاكسة للنور ، الظلام فقط حالة لغياب النور ، يوجد فقط نور ساطع ونور أقل من السطوع وتوجد الدرجة الأقل من النور وهي ( الظلام ) . فحتى سخرية دوكينز تكون هنا باطلة ، إذ لا يتطلب وجود حد أعلى للنتانة او الخبث او الشر . 

بالنسبة للحجة الغائية التي قال بها الاكويني وهي الحجة الخامسة ، سأرجئ عرض رده والنقاش حولها لمقال قادم ، كونها طويلة ويدخل فيها الجدل بين دعاة نظرية التصميم ونظرية الصدفة ،  ويدخل فيها نظرية التطور والانفجار العظيم وقليل من نظرية الاكوان المتعددة .

محمد الهنائي